الأحد، 25 مارس، 2012

العودة الى الجنة


لم يتعود المدرس عبد العليم الحيران الذي اختفى وتوارى عن الانظار فجأة ان يستعين باحد لتركيب او اصلاح اي شيء في بيته.. فهو لم ينس ما تعلمه في ورشات النجارة والحدادة والرسم الفني في المدرسة الابتدائية... ومنذ طفولته، كان يواظب على الاحتفاظ بكل شيء كان يعتقد بانه قد يلزم لشيء آخر: براغ ومسامير بكل المقاسات، مفكات وشواكيش ومناشير ومطارق، أسلاك وكوابل، قطع خشبية زائدة، أقفال قديمة .. جلود وعلب.. وغير ذلك الكثير.

ورغم انه قطع نصف قرن من عمره الان، الا انه نادرا ما كان يوافق على فكرة ان يقوم احد غيره بعملٍ ما يستطيع هو ان يفعله بيده، او ان يوجد له حلا بما يتوفر لديه من ادوات ومعدات ولوازم يحفظها في صناديق مميزة بعلامات خاصة في مرآب البيت..

ولطالما اختلف حول هذا الامر مع زوجته .. فهي على عكس والدته .. تؤمن ان من حق الناس ان يتشاركوا بالمال والعمل.. وان الانسان لا يمكنه القيام بكل العمل وحده... اما والدته فكانت تثني عليه عندما ينجز لها ما كانت تطلب عمله، وتوفر بالتالي ما كانت ستدفعه لعامل متخصص.

لذلك، عندما اشترى "الريسيفر" بعد طرحه لاول مرة في الاسواق.. لم يرعبه حجم "دش" بقطر ثلاثة امتار لتركيبه على سطح البيت.. لكن ما كان يخشى منه اكثر هو ان يفقد الاتجاه بعد هذه الخطوة.

فحتى ذلك اليوم، كان يبدو للمدرس عبدالعليم انه خبير بكل شيء، وانه قادر على اصلاح كل شيء.. فما مضى من حياته لم يربكه شيء من هذه الثورة التي توجه الحياة على الارض من اقمار صنعها وزرعها البشر في كبد السماء ..

كل شيء كان بسيطا.. سهلا.. أحدث "تكنولوجي" فيه كان جهاز "راديو" بصندوق خشبي كبير يعمل ببطارية شمسية بحجم بطاريات السيارات .. ويتذكر والده في تلك الايام مثله وهو صاعد الى السطح لتثبيت سلك ممتد من الزوايا الاربع للبيت على قوائم خشبية قصيرة تعلو السطح قليلا لتقوية الاستقبال.

في تلك الايام.. كان عبد العليم يراجع دروسه في الليل على نور سراج بالزيت او الكاز.. يبدل فتيلته كلما ذبلت. وفي صبيحة اليوم التالي يصحو وقد احتقن انفه بالكربون.

 وعندما حدث التطور اشترى والده "لوكس" ضوؤه أقوى.  كان عبد العليم يزهو بنفسه عندما يرافق ضيفا او قريبا يكون قد سهر عندهم ذات ليلة ليضيء له الطريق، وكان يتخيل انه يحمل "مصباح ديوجين" بيده وهو يسير في عتمة الليل عائدا به الى البيت..

ولانه "فني البيت" بين اشقائه الذين كانوا يتحلقون الى جانبه وهم يراجعون دروسهم ايضا على "طبلية" واحدة .. فقد كان المسؤول عن تعبئة "اللوكس" بالكاز.. وعن اصلاح او تغيير جلدة منفاخه..وتركيب "شنبر" جديد كلما اهترأ القديم.

وكذلك الحال مع "بابور" الكاز الذي كانت أمه توفر استخدامه لاغراض خاصة لا ينفع فيها "موقد نار" على ثلاثة حجارة كانت تستخدمه معظم الوقت في حديقة البيت للطهي وتسخين الطعام.. فهو السمكري الخاص لذلك "البابور" حتى لو لزم الامر لحاماً بالقصدير مثلما كان يفعل بتنكات الماء التي تحملها أمه وشقيقاته على رؤوسهن لاحضار الماء من نبع قريب.

لم تكن الصنابير قد دخلت البيوت بعد.. فكانوا يغتسلون من ماء يغرفونه من برميل، ويشربون من ماء "زير" فخاري مغطى بقطعة خشبية على باب البيت..

ولم تكن هناك سيارة تقله وشقيقه الاكبر الى مدرستهما.. فقد تعودا ان يستيقظا في الفجر حيث تكون والدتهما قد اعدت لهما افطارا لا يخلو من الشاي، او كوبا من حليب بقري كان يبيعه قروي يدور على البيوت صباحا بحماره، ثم يقطعان كل المسافة لمدة ساعتين ذهابا الى المدرسة البعيدة وعودة منها مشيا على الاقدام وعبر طرق جبلية احيانا لاختصار الوقت ..

وعندما يكون الجو ماطرا يلتفع كل منهما بمشمع وينتعل جزمة طويلة الساقين للخوض فيها في الوحل والمياه الراكدة، وعلى كتف كل منهما حقيبة من القماش خاطتها الوالدة من وسادة نوم اهترأت اطرافها من كثرة الغسيل بالماء الحار والصابون البلدي و"النيلة".

ويتذكر المدرس عبدالعليم كيف كان يجمع من الطريق كل ما يعتقد انه قد يفيد في اصلاح شيء ما.. او ما يجعل منه مميزا عن أبناء الجيران الذين كانوا يستعينون بخدماته المجانية من حين لآخر.

وعندما أحضر والده ذات يوم أول تلفاز بالابيض والاسود للبيت الذي صار مزارا مسائيا للجيران لمشاهدة هذه "العجيبة".. لم يخش في اليوم التالي فتحه من الخلف لمعرفة ما يختلف فيه عن راديو "الترانسيستور" الذي كان قد حل مكان ذلك الصندوق الخشبي الكبير.

وما زال عبد العليم يتذكر حتى اليوم كيف ارتد مهزوزا ذلك اليوم بقوة من صعقة كهرباء فاجأت إصبعه وهو يتحسس سلكاً موصولا بالشاشة.. لكنه يتذكر ايضا انه تعلم بعد ذلك كيف يستبدل "لمبات" الصوت والصورة حسب ارقام مكتوبة عليها دون ان يلمس الاماكن الخطرة في بطن الجهاز.

كان لا يثنيه عن المعرفة شيء.. وكان أشد ما يغيظ والده تاجر المفروشات والالكترونيات هو عدد الاجهزة التي كان يتلفها رغم تحذيره اكثر من مرة بان لا يلمس شيئا من معروضات المحل..

ومع ذلك، كان والده لا يجد في النهاية افضل منه مساعداً في تركيب الخزائن والاسرة التي يبيعها للزبائن .. او صعود "ابراج" هوائيات التلفاز العالية مثل السعدان لضبط قناة ما بتحريك هوائي الاستقبال الطويل بقضبانه الرفيعة المتوازية.. او لاستقبال قنوات من دول أبعد يريد الزبائن الفضوليون ان يروها قبل غيرهم.

وقبل ان يظهر "الريسيفر" في السوق كان المدرس عبدالعليم يشرح لطلابه في حصص العلوم عن ثورة جديدة ستحدثها الاقمار الصناعية .. وبفضوله المعهود كان يريد ان يكون بين اوائل من يتقدمون الصفوف فيها .. ودوافعه عديدة .. ان لم تكن لمعرفة ما يشرحه للطلاب، فانها لاشباع رغبته الدفينة بالركض الدائم وراء المعرفة.

لكنه في تلك الليلة بعدما انتهى من تركيب "الدش" على قوائمه الحديدية، ظل يحاول عبثا حتى الصباح التقاط اشارة لقناة .. وكان كلما تطلع بين النجوم بحثا عن مكان ذلك القمر في فضاء معتم واسع يزداد حيرة.. وفي اليوم التالي اشترى بوصلة ليحدد منها "الشمال الحقيقي" ..وبمتابعة كتيب الارشادات نجحت المحاولة أخيرا عندما صاح الاهل من الدور السفلي: "ظهرت صورة".

وعلى عكس ما يمكن توقعه، فان المدرس عبدالعليم لم يشعر بالغبطة في تلك الليلة التي عثر فيها على قمره المنشود في عتمة الفضاء..

فقد شعر بان هذه الثورة قد تقوده الى التوهان في سماء جديدة ستملؤها غدا اقمار البشر في الكون الذي وضع الله فيه قمر الاحبة الرومانسي الجميل..

وكان يخيفه اكثر ذاك الشعور بالارتحال من جنة الارض الى جحيم الصراع على الفضاء.

واكثر من ذلك ان لا يستطيع اللحاق بركب الآتي من المجهول بما تبقى له من العمر.

لكن المدرس عبدالعليم كان يؤمن انه فعل الصواب عندما قرر شراء "الريسيفر" في الوقت المناسب رغم تكاليفه الباهظة التي سرعان ما انخفضت بانفجار ثورة الاتصالات .. فانتشر "الفاكس".. وظهر "الموبايل"، وأحيل هاتف البيت القديم ذو الاقراص الى التقاعد.. ثم زحفت ثورة الانترنت بثروة هائلة من المعلومات جارفة معها البشر مثل الطوفان.

ويتذكر عبد العليم اول مرة اشترى فيها جهاز كمبيوتر "اكس تي" بسرعة 8 ميجاهيزتز بمكانين لقرصين قطر كل منهما يزيد على الخمسة انشات بربع الانش، ومن دون "هارديسك".. وكان اطفاله ما زالوا في صفوف الحضانة بعد، فقد سأله احد الزملاء مستغربا:

· وهل يستحق ان تدفع كل هذا المبلغ الان؟.. بهذا المبلغ تستطيع شراء سيارة.

كان همه ان لا يقف امام اطفاله كالغبي لو سألوه يوما في مستقبلهم عن شيء ما ذي صلة بهذا الجهاز الزاحف للمدارس والبيوت، ولا يجد جوابا عن جهل، وهو المدرس الذي عليه ان يجهز جوابا لكل سؤال.

لكن المدرس عبدالعليم الذي احتفل بعيد ميلاده الثاني والخمسين مع اولاده قبل ان يختفي منذ شهر تقريبا، انقلبت اموره انقلبت رأسا على عقب في الآونة الاخيرة.. وساءت نفسيته..

وقالت زوجته في بلاغها عن اختفائه للشرطة انه صار انطوائيا ويثور لاتفه الاسباب.. وقد قذف "الموبايل" مرة من شرفة البيت ليتهشم على الشارع.. وكان يغلق التلفاز بعصبية احيانا من دون سبب الا صمت الجميع وهم جالسين امامه مثل المحنطين .. وقد فصل "الريسيفر" اكثر من مرة لان الاولاد كانوا ينتصرون باصرارهم على متابعة فيلم او مسلسل بلغة اجنبية صارت هي الاولى بينهم عندما يتخاطبون داخل المنزل، وهو يراقب ذلك واجما.

وعندما سألها الضابط ان كانت تشك بسلامة قواه العقلية احتجت على السؤال..

فعبد العليم انسان عاقل ومتزن منذ ان عرفته.. وواسع الاطلاع ايضا.. ويدرك كل شيء يقوله او يفعله ..

لكنها ذكرت في سياق البلاغ ما كان يقوله عن "الجنة" كلما تحدث عن حياة "الجحيم" التي فرضت نفسها على البشر دون ان يملكوا القدرة الا على التكيف مع شرها الاكثر من خيرها.

وفي افادتها قالت ايضا ان كل المعدات والادوات التي كان يخزنها في مرآب البيت اختفت هي الاخرى منذ اليوم الذي خرج فيه من البيت ولم يعد.

وهذا اليوم.. لم يذكر برنامج "صباح الخير يا بلد" الذي اعلن خبر العثور عليه اخيرا كم استغرقت مدة البحث وكيف جرت.. لكن قائد المروحية الذي كان مزهوا بنفسه على الشاشة وهو يتحدث قال ان رؤيته لسيارة دفع رباعي قرب كوخ خلف ربوة في بطن الصحراء دفعته للهبوط بمروحيته قليلا لاستكشاف الموقع..وعندما شك في ان متسللين او مهربين ربما كانوا مختبئين هناك ارسل احداثيات الموقع للقاعدة.

وقال ضابط الشرطة الذي قاد دورية البحث : نعم خشينا ذلك، وكنا مستعدين لاستخدام السلاح.. لكن عندما وصلنا المكان عن طريق الاقمار الصناعية و"الجي بي اس".. وجدنا كوخا من خشب يغطيه سقف من صفيح... وحوله زرعت شتلات صغيرة رويت للتو.. وعبوات ماء مصفوفة بكثرة .. وعارضة على الباب كتب عليها:

·  جنة عبدالعليم الحيران.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق